محمد سعيد رمضان البوطي

47

فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة

4 - تعد حادثة شق الصدر التي حصلت له عليه الصلاة والسلام أثناء وجوده في مضارب بني سعد من إرهاصات النبوة ودلائل اختيار اللّه إياه لأمر جليل ، وقد رويت هذه الحادثة بطرق صحيحة وعن كثير من الصحابة منهم أنس بن مالك فيما يرويه مسلم في صحيحه : « أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه ، فشق عن قلبه ، فاستخرجه ، فاستخرج منه علقة فقال : هذا حظ الشيطان منك ، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثم أعاده إلى مكانه . وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - مرضعته - ينادون : إن محمدا قد قتل ، فاستقبلوه وهو ممتقع اللون » « 5 » . وليست الحكمة من هذه الحادثة - واللّه أعلم - استئضال غدة الشر في جسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إذ لو كان الشر منبعه غدة في الجسم أو علقة في بعض أنحائه ، لأمكن أن يصبح الشرير خيرا بعملية جراحية . ولكن يبدو أنّ الحكمة هي إعلان أمر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وتهييؤه للعصمة والوحي منذ صغره بوسائل مادية ، ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به وتصديقهم برسالته . إنها إذن عملية تطهير معنوي ، ولكنها اتخذت هذا الشكل المادي الحسي ، ليكون فيه ذلك الإعلان الإلهي بين أسماع الناس وأبصارهم . وأيا كانت الحكمة ، فلا ينبغي - وقد ثبت الخبر ثبوتا صحيحا - محاولة البحث عن مخارج لنخرج منها بهذا الحديث عن ظاهره وحقيقته إلى التآويل الممجوجة البعيدة المتكلفة . ولن تجد من مسوغ لمن يحاول هذا - على الرغم من ثبوت الخبر وصحته - إلا ضعف الإيمان باللّه عز وجل . ينبغي أن نعلم بأن ميزان قبولنا للخبر إنما هو صدق الرواية وصحتها فإذا ثبتت الرواية ثبوتا بيّنا فلا مناص من قبوله موضوعا على الرأس ، وميزاننا لفهمه حينئذ دلالات اللغة العربية وأحكامها . والأصل في الكلام الحقيقة ، ولو أنه جاز لكل باحث وقارئ أن يصرف الكلام عن حقيقته إلى مختلف الدلالات المجازية ليتخير من بينها ما يروق له ، لا نشلّت قيمة اللغة وفقدت دلالتها وتاه الناس في مفاهيمها . ثم فيم البحث عن التأويل ومحاولة استنكار الحقيقة ؟ أما إن ذلك لا يأتي إلا من ضعف في الإيمان باللّه ، ثم من ضعف في اليقين بنبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم وصدق رسالته ، وإلا فما أسهل اليقين بكل ما صح نقله سواء عرفت الحكمة والعلة أم لم تعرف .

--> ( 5 ) مسلم 1 / 101 و 102 وثبت في الصحيح تكرار حادثة شق صدره صلّى اللّه عليه وسلم أكثر من مرة .